محمد بن محمد ابو شهبة

358

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

الذي ينعمون فيه بالإيمان والأمان ، والحرية والإخاء ، والعدل والمساواة ، ولذلك لم تكد تنتهي ثلاثون عاما من دعوتهم إلى الإسلام ، حتى كانت هذه البلاد قد دخلت في الإسلام ، واستظلت بلوائه ، وقد كان بدء إرسال الكتب بعد الحديبية في أواخر سنة ست أو أوائل سنة سبع ، ولذلك اثرت ذكر هذه الكتب في هذا الموضع . ولما عزم رسول اللّه على مكاتبة الملوك والأمراء خرج على أصحابه ذات يوم فقال : « أيها الناس : إن اللّه قد بعثني رحمة وكافة ، فلا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون على عيسى ابن مريم » فقال أصحابه : وكيف اختلف الحواريون يا رسول اللّه ؟ قال : « دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه ، فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضي وسلّم ، وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل » ثم ذكر أنه مرسل إلى هرقل وكسرى والمقوقس والنجاشي وغيرهم ، يدعوهم إلى الإسلام ، فأجابه أصحابه إلى ما أراد ، ثم صنع له خاتم من فضة ، نقش عليه ( محمد رسول اللّه ) ليختم به هذه الكتب . كتاب رسول اللّه إلى القيصر ( هرقل ) وجه رسول اللّه دحية بن خليفة الكلبي بكتاب إلى قيصر ، وأمره أن يدفعه إلى حاكم ( بصرى ) ليوصله إلى هرقل ، ونص الكتاب : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . من محمد عبد اللّه ورسوله إلى هرقل عظيم الروم . سلام على من اتبع الهدى أما بعد ، فإن أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، يؤتك اللّه أجرك مرتين ، فإن تولّيت فإن عليك إثم الإرّيسيين « 1 » : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ، أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا : اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ » « 2 » .

--> ( 1 ) الإرّيسيون : الفلاحون والأتباع ، والمراد رعيته لأنها غالبا تتبع ملكها وراعيها . ( 2 ) سورة آل عمران : الآية 64 .